ابن حزم
148
رسائل ابن حزم الأندلسي
ويحكى عن الحسن بن هانئ ( 1 ) أنه كان مغرماً بحب محمد بن هارون المعروف بابن زبيدة ، وأحس منه ببعض ذلك فانتهزه على إدامة النظر إليه ، فذكر عنه أنه كان لا يقدر ان يديم النظر إليه إلا مع غلبة السكر على محمد . وربما كان سبب الكتمان ألا ينفر ( 2 ) المحبوب أو ينفر به . فإني أدري من كان محبوبه له سكناً وجليساً ، لو باح بأقل سبب من أنه يهواه لكان منه " مناط الثريا قد تعلت نجومها " ؛ وهذا ضرب من السياسة . ولقد كان يبلغ من انبساط هذا المذكور مع محبوبه إلى فوق الغاية وأبعد النهاية ، فما هو إلا أن أباح إليه بما يجد فصار لا يصل إلى التافه اليسير مع التيه ودالة الحب وتمنع الثقة بملك الفؤاد ، وذهب ذلك الانبساط ووقع التصنع والتجني ، فكان أخاً فصار عبداً ، ونظيراً فعاد أسيراً ، ولو زاد في بوحه شيئاً إلى أن يعلم خاصة المحبوب ذلك لما رآه إلا في الطيف ، ولا نقطع القليل والكثير ، ولعاد ذلك عليه بالضرر . وربما كان من أسباب الكتمان الحياء الغالب على الإنسان . وربما كان من أسباب الكتمان ان يرى المحب من محبوبه انحرافاً وصداً ، ويكون ذا نفس أبية ، فيستتر بما يجد لئلا يشمت به عدو ، أو ليريهم ومن يجب هوان ذلك عليه .
--> ( 1 ) الحسن بن هانئ أبو نواس ( - 198 ) ؛ وقد ألمح ابن خلكان ( 2 : 99 ) إلى شيء مما يذكره ابن حزم هنا . ( 2 ) برشيه : يشهر .